سيد قطب

3761

في ظلال القرآن

وتتسق مع النقر في الناقور ، وما يتركه من صدى في الشعور . ومع مطلع السورة بالنداء الموقظ : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » والأمر بالنذارة : « قُمْ فَأَنْذِرْ » . . فالجو كله نقر وطرق وخطر ! ! وفي ظل هذه الإيقاعات المثيرة الخطيرة يعلن تبعة كل نفس لذاتها وعلى ذاتها ؛ ويدع للنفوس أن تختار طريقها ومصيرها ؛ ويعلن لها أنها مأخوذة بما تكسبه باختيارها ، مرهونة بأعمالها وأوزارها : « لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ . كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ » . . فكل فرد يحمل همّ نفسه وتبعتها ، ويضع نفسه حيث شاء أن يضعها ، يتقدم بها أو يتأخر ، ويكرمها أو يهينها . فهي رهينة بما تكسب ، مقيدة بما تفعل . وقد بين اللّه للنفوس طريقه لتسلك إليه على بصيرة ، وهو إعلان في مواجهة المشاهد الكونية الموحية ، ومشاهد سقر التي لا تبقي ولا تذر . . له وقعه وله قيمته ! وعلى مشهد النفوس الرهينة بما كسبت ، المقيدة بما فعلت ، يعلن إطلاق أصحاب اليمين من العقال ، وإرسالهم من القيد ، وتخويلهم حق سؤال المجرمين عما انتهى بهم إلى هذا المصير : « إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ، فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ قالُوا : لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ، حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ » . . وانطلاق أصحاب اليمين وانفلاتهم من الرهن والقيد موكول إلى فضل اللّه الذي يبارك حسناتهم ويضاعفها . وإعلان ذلك في هذا الموقف وعرضه يلمس القلوب لمسة مؤثرة . يلمس قلوب المجرمين المكذبين ، وهم يرون أنفسهم في هذا الموقف المهين ، الذي يعترفون فيه فيطيلون الاعتراف ، بينما المؤمنون الذين كانوا لا يحفلونهم في الدنيا ، ولا يبالونهم ، في موقف الكرامة والاستعلاء ، يسألونهم سؤال صاحب الشأن المفوض في الموقف : « ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ » . . ويلمس قلوب المؤمنين الذين كانوا يلاقون من المجرمين ما يلاقون في الأرض ، وهم يجدون أنفسهم اليوم في هذا المقام الكريم وأعداءهم المستكبرين في ذلك المقام المهين . . وقوة المشهد تلقي في نفوس الفريقين أنه قائم اللحظة وأنهم فيه قائمون . . وتطوي صفحة الحياة الدنيا بما فيها كأنه ماض انتهى وولى ! والاعتراف الطويل المفصل يتناول الجرائر الكثيرة التي انتهت بالمجرمين إلى سقر ، يعترفون بها هم بألسنتهم في ذاته المستكين أمام المؤمنين : « قالُوا : لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ » . . وهي كناية عن الإيمان كله ، تشير إلى أهمية الصلاة في كيان هذه العقيدة ، وتجعلها رمز الإيمان ودليله ، يدل إنكارها على الكفر ، ويعزل صاحبها عن صف المؤمنين . « وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ » . . وهذه تلي عدم الإيمان ، بوصفها عبادة اللّه في خلقه ، بعد عبادته - سبحانه - في ذاته . ويدل ذكرها بهذه القوة في مواضع شتى على الحالة الاجتماعية التي كان القرآن يواجهها ، وانقطاع الإحسان للفقير في هذه البيئة القاسية ، على الرغم من الفخر بالكرم في مواضع المفاخرة والاختيال ، مع تركه في مواضع الحاجة والعطف الخالص البريء . « وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ » . . وهي تصف حالة الاستهتار بأمر العقيدة ، وحقيقة الإيمان ، وأخذها مأخذ الهزل واللعب والخوض بلا مبالاة ولا احتفال . وهي أعظم الجد وأخطر الأمر في حياة الإنسان ؛ وهي الشأن الذي ينبغي أن يفصل فيه ضميره وشعوره قبل أن يتناول أي شأن آخر من شؤون هذه الحياة ، فعلى أساسها